لن يضروكم إلا أذى
كتبهاعادل كم ، في 5 سبتمبر 2007 الساعة: 12:35 م
ذهب علماء الحضارات إلى أن الحضارة , أية حضارة , تمر بمراحل ثلاث , فقالوا:
إن المرحلة الأولى : هي مرحلة الفكرة , مرحلة الإيمان بالهدف , الذي يملأ على الإنسان نفسه, ويشكل له هاجسًا دائمًا , ويدفعه للعطاء غير المتناهي , والتضحية في سبيل ذلك , بكل شيء.. بما يمكن أن يعتبر أن من أهم سمات هذه المرحلة : بروز إنسان الواجب , الذي لا يرى إلا ما عليه , ويُقبل على فعله بوازع داخلي , بإيمان واحتساب , دون أن يخامر عقله , ما له من حقوق.. هو إنسان واجب , إنسان إنتاج , وليس إنسان حقي فقط.
إنسان استهلاك.. وقد يكون من المفيد هنا , أن نذكّر بحديث الرسول - صلي الله عليه وسلم - الذي وصف مرحلة الوهن الحضاري , والإشراف على السقوط , وحدد معادلتها , عندما سُئل عن الوهن , الذي يصيب الأمة , قال: (حب الدنيا) أي ظهور إنسان الغريزة , إنسان الاستهلاك , (وكراهية الموت) أي: غياب إنسان الإيمان , والإنتاج , والاحتساب.
أما الدورة الحضارية الثانية, أو المرحلة الحضارية الثانية, التي تمر بها الأمة , فهي مرحلة العقل , وضمور الإيمان , وفتور الحماس نسبيًا.. مرحلة التوازي بين العمل والأجر, بين الحق والواجب , بين الإنتاج والاستهلاك , بين الدنيا والآخرة , دون ضبط النسب.. حلول العدل , محل الإحسان.. وهنا تصل الحضارة إلى قمتها , وتبدأ مرحلة السقوط , إذا لم تستدرك ما يتسرب لها من أمراض.
والدورة الحضارية الثالثة , أو مرحلة ما قبل السقوط النهائي , هي مرحلة غياب الإيمان والعقل , وبروز الشهوة والغريزة وانكسار الموازين الاجتماعية , واستباحة كل شيء وبكل الأساليب , وعندها تسقط الحضارة , وتموت الأمة , ويتم الاستبدال.
إن عدم خضوع الأمة المسلمة , للدورات الحضارية بإطلاق , وقدرتها على الاستمرار, والتجاوز , والتجدد , والتجديد , والنهوض , من دون غيرها من الأمم والحضارات , يعني فيما يعني : أنها تمتلك الإمكان الحضاري الممتد , والمفقود في الحضارات الأخرى -السائدة منها, والبائدة - وذلك بامتلاكها النص السماوي السليم , الذي يشكل المعيار, وامتداد الأنموذج , المفعم بالإيمان, والإيثار, والإحسان , المتمثل بالطائفة القائمة على الحق , التي تمثل خميرة النهوض , بما تحمل من إيمان , وفاعلية.. وفي ضوء ذلك , يمكن أن ندرك مواثيق الله , وعهده لهذه الأمة , ألا يسلط عليها عدوها , تسليط استئصال وإبادة, وإنما تسليط تأديب على معاصيها, وتحريض لها , لتعاود المراجعة , والتقويم , والنهوض من جديد. قال تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } [آل عمران: 111]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "..وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم" رواه مسلم.
وفي ضوء ذلك , يمكن أن ندرك أبعاد قوله تعالى في أعقاب هزيمة أحد: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٭ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } [آل عمران: 139, 140- ].. إنه استعلاء الإيمان , رغم سقوط وهزيمة الأشياء , وعِظَم الانكسار.. وقوله تعالى في سورة البروج , بعد أن عرضت السورة لعذابات المؤمنين , وتحريقهم بالأخدود وشراسة الظالمين , وتقديم نماذج للظلم المتصاعد: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ٭ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} [البروج: 17, 18] أي: طغيان واستبداد حاكم (فرعون) وتواطؤ وظلم أمة (ثمود), ثم ختم السورة بقوله تعالى : {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ٭ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} [البروج: 21, 22].. الأمر الذي يلمح منه الإنسان, أن الشدائد الشديدة , لا تنال من الأمة , ولا تُسقطها , إذا حفظ لها عالم أفكارها وقيمها أو ما اصطلح على تسميته : "بالثقافة".
لذلك فإن معركة "اسقاط الأفكار , والغزو الثقافي , هي الأخطر دائمًا , وعمليًا.. ولذلك أيضًا , نرى أن حسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, رسالة كل مسلم , وفريضة الأمة المسلمة , هي الحارس الأمين لعالم القيم , وتطبيقاتها في المجتمع .. ونرى أن الدورات التجديدية على رأس كل مائة عام , التي أخبر عنها الصادق المصدوق , تأتي لتعيد تنقية عالم الأفكار, مما أُحدث فيه من جديد "يبعث الله على رأس كل مائة عام , من يجدد لهذه الأمة أمر دينها" (رواه أبو داود في الملاحم,( ليبقى النهوض بعد السقوط مستمرًا
بقلم: د. أحمد العسال .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات: مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يونيو 11th, 2007 at 11 يونيو 2007 3:16 ص
السلام عليكم
لنمزج روح الفكر و الابداع و الخيال فينا.
كيف ذلك؟
هذا ما ستعرفه من مدونتي
ارجو ان تتفاعل مع الموضوع
فكم يسرنا ويسعدنا انضمامك لعائلتنا المتواضعة
ونسأل الله لك التوفيق والنجاح والتميز