علمانية تركيا المنفتحة ونظام ولي الفقيه المغلق ..؟
كتبهاعادل كم ، في 29 يوليو 2007 الساعة: 23:10 م
تقدم التجربة التركية بهويتها الإسلامية الحديثة ، علمانية العنوان ، نموذجاً جديداً للإسلام السياسي . وسيكون لنجاح التجربة في تركيا أو سقوطها نتائج تتجاوز تركيا إلى جوارها فجوار الجوار وربما العالم الإسلامي كله . كذلك تقدم التجربة الإيرانية بهويتها الإسلامية ومحتوياتها المتناقضة نموذجاً آخر للإسلام المذهبي المتشدد ، المنغلق دينياً وقومياً . نحن الآن وفي لحظة تاريخية سوف تقرر أي التجربتَين أجدر بالحياة والبقاء ومعها شعوب المنطقة الضائعة المنقسمة على نفسها وتستعيد من تاريخها أبأس نماذجه . نتوقف أولاً عند التجربة التركية . أول مشاهد التجربة أنها ديموقرطية بالمعنى الغربي العلماني الحديث للديموقراطية . فقد احتكمت إلى صندوق الإقتراع وارتضى المجتمع التركي بمؤسساته نتائجها ، بالرغم من مخاوف المؤسسة العسكرية التي تعتبر نفسها حارسة الأتاتوركية أي العلمانية . وقد أعطت التجربة في اقتراعَين خلال سنوات قريبة نتائج متقاربة لمصلحة حزب العدالة والتنمية الذي يرأسه أردوغان ، وجاء تفويض الشعب له مؤخراً بقيادة البلاد تأكيداً لخيار الشعب التركي نموذجه العلماني بهويته الإسلامية ، أو نموذجه الإسلامي بهويته المدنية . أي إنه جاء تعبيراً عن ذلك الدمج الحي بين الماضي والحاضر والمستقبل فيما يشبه إعادة تشكيل التاريخ بمنظور مستقبلي . أهمية التجربة التركية تجيء من توقيتها الزمني . ففي المنطقة صراع بين إسلامَين : > إسلام الهوية التاريخية المتوارثة .. وإسلام القهر والفرض والإرهاب . > إسلام الحداثة والمستقبل .. وإسلام التخلف والماضي .
هذا يعني أن التجربة التركية ليست حدثاً داخلياً بقدر ما هي حدث إقليمي وربما عالمي بحكم عالمية الإسلام وانتشاره . وقد نضيف إلى أهمية هذه التجربة أنها تجيء في زمن إعادة تقسيم المنطقة - وكانت جزءاً من تركيا العثمانية إلى ما قبل ثمانين عاماً لئلا ننسى - إعادة تقسيمها واقتسامها بعد أن فقدت شراذمها الجغرافية والبشرية مقوّمات الدولة وضاعت بين ماض يستجهلها ويشدها إلى الخلف ومستقبل غامض يستلب هويتها بحداثة تلتهمها بما هي مستهلك للحضارة لا شريك إنتاج . المشكلة تتجاوز التوصيف الساذج للإسلام في أي صيغة من صيغه لأنها تتصل بإعادة تشكيل المجتمعات الإسلامية بمنظور مختلف وفهم مختلف وتحديات مختلفة . وربما كانت الصيغة التركية التي سجلت انتصارها بآلية الإنتخاب الديموقراطية هي الأكثر تحدياً للأصولية التي تقدمها منظماتها وقياداتها المغرقة في جهلها وانغلاقها ، وبالتالي فهي الأكثر قدرة على الإمساك بالورقة الإسلامية في غياب أي تجربة أخرى تجمع بين مدنية النظام أو علمانيته وبين هوية المجتمع أي إسلاميته وبعض تقاليده .
على الطرف الآخر ، ثمة تجربتان للإسلام الآخر . التجربة الإيرانية وهي نظام ديني مذهبي قومي . وتجارب التنظيمات الأصولية المتناثرة في أرض الإسلام وتقيم فيها نماذجها المستحدثة في القتل والتمثيل وقطع الرؤوس ..؟ يمكن اعتبار النظام الإيراني مثالاً مقابلاً للتجربة التركية بما هو تجربة دولة أيضاً . ففي إيران يقوم نظام ديني متشدد يرفض العلمانية أو مدنية النظام ويلتزم ولاية الفقية الذي يمسك بالسلطة ويمنح لأتباعه الجنة وصكوك الغفران أو يقود إلى عذاب النار . هذه التجربة يعاني منها الإسلام اليوم بما هي تجربة ذات تأثير في طائفة إسلامية عريقة هي طائفة الشيعة . وإذا كان مؤكداً أن ليس كل الشيعة مع إيران وتجربتها وهَوَسِ نجادها أو وليّه ، فإن ما هو مؤكد أيضاً أن لإيران تأثيرها على فريق واسع من الشيعة السياسية وسلطة يختلط فيه السياسي بالديني وما هو دنيوي بما هو أخروي ــــ من الآخرة ــــ وما هو مصلحي بما هو سام . في التجربة الإيرانية يمكن القول إنها تجربة الماضي بكل تشكيلاته التاريخية وثقافته وفكره وثوابته التي ترفض التغيير وقد تعتبر التطور خروجاً على النص . وربما كان موقع ولي الفقيه من النظام هو الأكثر تعبيراً عن تخلفه ورجعيته . دون أن ننسى أن الدين هنا يغطي الهوية الفارسية شديدة الغرور عظيمة التعصب . إلى جانب هاتين التجربتين الممثلتين في دولة ومؤسسات ثمة تجارب ومشاريع أفلتت وتقيم أنظمتها فيما بينها وأهمها تجربة القاعدة ، أو حالتها بتوصيف أدق ، التي انتهت إلى أن تصبح رد فعل أكثر تخلفاً على واقع إسلامي متخلف ، وإرهاباً أعظم للآخر ، المسلم وغير المسلم ، أكثر مما هي نموذج إسلامي سمح قابل للحياة . طبعا يصعب الحديث عن القاعدة أو القواعد ، عصاباتها ومهووسيها ، بوصفها تجارب إسلامية . إنها مجرد شراذم تشكلت بردود الفعل أو باصطياد الأغرار أو المطارَدين في مجتمعاتهم من مجموعات الجهل والتطرف المنتشرة في كل أرض وتتجمع من ذاتها أو يتم تجميعها بفعل فاعل في مناطق التوتر . وإذن ، فليس صحيحاً اعتبار القاعدة أو من انضوى تحت مسمياتها المتعددة نموذجاً أو مشروعاً إسلامياً حتى وهي تمثل خطراً بذاتها وحقيقتها ، أو باستغلالها .
يمكن الحديث أيضاً عن نموذج إسلامي ثالث في التجربة السعودية القائمة والمستمرة ، ولكنه نموذج ذاتي بمعنى أنه ليس تجربة للنقل . إنه صيغة تتطور في اتجاه المعاصرة والمحافظة ولا تطرح نموذجها على الآخر بقدر ما تحافظ به على وحدتها وهويتها واستمراريتها . نموذج يصعب تعميمه بخصائصه الذاتية المتصلة بأرضه وتجربته . على أنه في عملية تحديثه وتطويره الذاتي النشطة وانفتاحه يمكن أن يقيم ، مستقبلاً ، مرجعية إسلامية بما هو سلطة إسلامية على أرض الإسلام الأولى . لزمن قادم يحسن متابعة التجربة التركية بوصفها خروجاً على النص من نحو واستمراراً فيه من نحو آخر . وبقدر ما يصعب تصور دولة حديثة في المنطقة لا تتأثر بالإسلام يصعب تصور تجربة تنفتح على الحداثة وتخرج من زجاجة التاريخ كالتجربة التركية في مواجهة التجربة الإيرانية شديدة الغرور عظيمة الإنغلاق . طبعاً يظل مطروحاً في التجربة التركية ذلك السؤال المعلق : هل يتاح لها أن تستمر في مواجهة الجيش حارس الأتاتوركية والعلمانية بهويتها الغربية ، أم يطيح بها قبل أن تترسخ مقومات بقائها واستمرارها..؟
نهاد الغادري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات: مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























