مفاجأة نصر الله.. والخيار السوري

كتبهاعادل كم ، في 20 أغسطس 2007 الساعة: 17:41 م

 

 

عبد الباري عطوان

السيد حسن نصر الله زعيم حزب الله اللبناني، رجل لا يكذب، يقول ويفعل، وعندما يتوعد إسرائيل بمفاجأة قد تغير وجه المنطقة، إذا ما اعتدت على لبنان، فإن عليها ومن خلفها، أخذ هذا الكلام على محمل الجد، خاصة وهي تجري مناورات عسكرية مكثفة في الوقت الراهن، بالقرب من الحدود اللبنانية والسوريا، استعدادا لحرب جديدة، تعتقد أنها ستنقذ ماء وجه مؤسستها العسكرية بعد هزيمتها المهينة في لبنان قبل عام.
من المرجح أن السيد نصر الله لا يتحدث هنا، عن صواريخ جديدة، تصل إلى نقاط أبعد في العمق الإسرائيلي، فقد كشف في حديثه لقناة الجزيرة قبل بضعة أسابيع عن ازدحام ترسانته بمثل هذه الصواريخ التي تصل حسبما قال إلى كل نقطة في الدولة العبرية، مثلما كشف أيضا في أحاديث سابقة، عن امتلاك الحزب عشرين ألفا منها على الأقل.
مفاجأة السيد نصر الله ستظل موضع تكهنات من قبل الخبراء العسكريين، الأمريكيين والإسرائيليين منهم خاصة، ولكن ما يمكن استخلاصه للوهلة الأولى، هو إمكانية تزويد هذه الصواريخ أو بعضها، برؤوس كيماوية أو بيولوجية، لأن الحرب المقبلة إذا ما اشتعل فتيلها ربما تكون الأخيرة في المنطقة فعلا، ولن تتردد أطرافها في استخدام كل ما في جعبتها من أسلحة، لأن الدرس الذي تعلمه العرب من العراق، وغزوه واحتلاله، هو أن بقاء الأنظمة المستهدفة مستحيل مهما قدمت من تنازلات، ولهذا ليس أمامها غير خيار شمشون. ومثلما لم يتردد حزب الله في تسجيل ضرب العمق الإسرائيلي بالصواريخ، فإنه لن يكون مفاجئا، أو مستغربا، إذا ما لجأ إلى استخدام أسلحة الدمار الشامل في أية مواجهة جديدة.  من الواضح أن الحلف السوري-الإيراني المستهدف أمريكيا وإسرائيليا، ومن بعض حلفائهم العرب المعتدلين، بات يميل إلى التخلي عن استراتيجيته السابقة في التقوقع في خندق الدفاع، والتزام الصمت تجاه الطرف الآخر، وينتقل بشكل تدريجي متسارع إلى استراتيجية الهجوم الإعلامي، في تزامن محسوب مع الاستعدادات العسكرية التقليدية وغير التقليدية. ولعل الانتقاد الساحق وغير المسبوق الذي شنه السيد فاروق الشرع نائب الرئيس السوري على كل من السعودية ومصر، قائدتي ما يسمي بـ»محور الاعتدال» هو أول مؤشرات التوجه الجديد.
سوريا التزمت الصمت لأكثر من ربع قرن تجاه حليفيها السابقين، مصر والسعودية، ولم توجه كلمة انتقاد واحدة لنظاميهما حتى بعد أن تفرقت السبل، وانهار مثلث التحالف الذي جمعها بهما وتوثق منذ غزو القوات العراقية للكويت عام 1990، وتجسد عمليا في ما سمي في ذلك الوقت بمنظومة دول إعلان دمشق، ولهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عما دفع السيد الشرع إلى شن هذا الهجوم على النظامين المصري والسعودي، بهذا الوضوح، وتسمية الأشياء بأسمائها وبالصوت والصورة، مثل قوله إن الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، والرئيس المصري حسني مبارك لم يجرؤا على عقد قمة ثلاثية مع الرئيس بشار الأسد في الرياض خوفا من أمريكا، أو قوله إن السعودية عجزت عن إقناع الإدارة الأمريكية برفع الحصار المالي عن الفلسطينيين بعد توقيع اتفاق مكة الفلسطيني، وهي أقوى حلفاء واشنطن في المنطقة.
الإجابة على هذه الأسئلة، وغيرها، يمكن استخلاصها من تعمق حال القطيعة، وحدوث الطلاق البائن الذي لا رجعة فيه بين النظام السوري وحلفائه السابقين في الأشهر الأخيرة، لأن الأخيرين ذهبا بعيدا في التماهي مع الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وشاركا بحماس في أبرز أهدافها أي عزل سوريا وحلفائها مثل حزب الله في لبنان، وحركة حماس في قطاع غزة، والتمهيد للدخول في حلف عسكري جديد مع إسرائيل والولايات المتحدة لضرب إيران، في حال فشل الجهود الدبلوماسية لإيجاد حل سلمي لأزمة المفاعل النووي الإيراني. السيد وليد المعلم، وزير الخارجية السوري، اشتكى أكثر من مرة في جلسات خاصة، من رفض نظيره السعودي الأمير سعود الفيصل زيارة دمشق تلبية للدعوات المتكررة من قبله، والسيد الشرع تحدث في خطابه في عيد الصحافيين عن رفض السعوديين المشاركة في اجتماع استضافته دمشق على مستوى الخبراء لبحث الوضع في العراق، كما قال إنها لم تلتزم باتفاق إقامة منطقة حرة بين البلدين، أي أن القطيعة امتدت حتى للجوانب الاقتصادية أيضا.
من الواضح أن المسؤولين السوريين توصلوا إلى قناعة راسخة بأن الشريك السعودي السابق اختار منحى مختلفا، وأدار الظهر كليا لسوريا، وانتقل إلى مرحلة الإيذاء، وبدأ بالحرب الإعلامية، وتحدث السيد الشرع صراحة عن هذه المسألة عندما قال إن وسائل الإعلام السعودية تتحدث مرارا وتكرارا، وبسلبية مؤسفة عن سوريا خلافا لوسائل الإعلام السورية، آملا أن لا يتكرر ذلك في تهديد مبطن.
في الأسبوع الماضي، ويوم الاثنين السادس من غشت، قطع الأمير سعود الفيصل الشعرة الأخيرة في العلاقات مع سوريا، عندما جدد في لقائه مع الصحافيين ما سماه بالمضامين التي وردت في الموقف الصادر عن مجلس الوزراء السعودي، وقال إن المملكة تحرص في كل مواقفها على المحافظة على مصالحها الوطنية، وأمنها، واستقرار شعبها، ووحدة العمل العربي، وتضامن العالم الإسلامي، والفهم الواقعي للعالم والقوى المؤثرة فيه، وترى أن الطريق إلى ذلك هو استقلالية القرار الوطني، والتعامل بندية وانفتاح مع دول العالم أجمع، ووصل إلى القول إن ما يحول دون ذلك هو القوى التي تتحدث بأكثر من صوت، وتبحث عن مكامن الفرقة، وتبني مواقفها بعيدا عن الحقائق، وتعمل من أجل منفعتها الضيقة المباشرة، وأن طريق التعامل مع أزمات المنطقة وتحقيق تقدم شعوبها ينبني على تجاوز هذه القوى وشعاراتها وإيديولوجياتها . الأمير سعود الفيصل لم يسم هذه القوى التي تريد بلاده تجاوزها، وإيديولوجياتها، ولكن إمبراطورية الإعلام السعودي الضخمة، قالت في أكثر من مقال لكتاب معروفين بعكسهم للسياسة الرسمية السعودية، بأن الدولة المقصودة هنا هي سوريا.
العارفون ببواطن الأمور، في سوريا يقولون إن هناك مدرستين داخل النظام السوري، واحدة تتسم بالمرونة والاعتدال، والتحلي بأكبر قدر ممكن من ضبط النفس، والإبقاء على قنوات الاتصال مع واشنطن والغرب الأوروبي وحلفائهم من العرب، يمثلها جناح يتزعمه السيد وليد المعلم وزير الخارجية، ومدرسة أخرى لا ترى أية فائدة في مجاراة الغرب وحلفائه، وتؤكد على ضرورة العودة إلى ينابيع النهج السوري الأصلية، في التمسك بالثوابت القومية السورية في مواجهة السياسة الأمريكية والإسرائيلية، واتباع نهج التصدي، وتثوير المنطقة مرة أخرى، ويمثل هذه المدرسة السيد الشرع.
جناح الشرع عارض إعادة العلاقات الدبلوماسية مع النظام العراقي المنبثق من رحم الاحتلال، وطالب دائما بدعم المقاومة مثلما عارض أي تقارب مع محور الاعتدال العربي الذي يتبنى حروب أمريكا الحالية في العراق وأفغانستان، والقادمة ضد إيران، مثلما عارض أيضا، وبقوة مسايرة لجنة التحقيق الدولية في مقتل الحريري رئيس وزراء لبنان الأسبق وشروطها المهينة، ولكن كفة الجناح الواقعي الذي يمثله السيد المعلم طوال العامين الماضيين كانت هي الأرجح.
الصورة تغيرت في ما يبدو، وباتت الاستراتيجية السورية الجديدة تنحاز إلى جناح الصقور، في تبادل مدروس للأدوار، بسبب إدراك القيادة أن الوقت يمضي بسرعة، واحتمالات المواجهة مع إسرائيل وأمريكا باتت أكبر وربما أسرع مما يتوقعه الكثيرون، ولم تعد هناك فائدة من الصمت والمسايرة والتخندق في خندق الدفاع والتغاضي عن حروب الطرف الآخر الإعلامية، والتحالفات السياسية والعسكرية المتسارعة التي ينسجها إقليميا ودوليا، وهذا ما يفسر مقاطعة سوريا الكاملة لاجتماع وزراء خارجية الدول العربية الأخير الذي بحث مسألة تفعيل مبادرة السلام العربية، واستبعادها كليا من مؤتمر السلام الأمريكي الذي دعا إليه الرئيس بوش في الخريف المقبل، وتقلص زيارات المسؤولين العرب إلى عاصمتها، وخاصة السعوديين والمصريين.
السؤال هو: هل تبدأ سوريا بترجمة استراتيجيتها الجديدة في خطوات عملية على الأرض، وكيف؟
من الصعب إعطاء إجابة حاسمة في هذا الخصوص، ولكن ما يمكن قوله هو إن تهديدات السيد حسن نصر الله وخطابه الجماهيري القوي والمعد جيدا، وتزامنها في الوقت نفسه مع خطاب السيد الشرع وغير المسبوق في انتقاده للسعودية ومصر وأمريكا ومؤتمر السلام المقبل والهرولة العربية إليه دون تبصر، وحدوث تحول في لهجة الإعلام السوري، كلها تؤشر إلى بداية حرب إعلامية شرسة.
مشاكل سوريا كثيرة ولكن الأساسية فيها هو أن محورها الذي تقف في خندقه يملك الأرضية الوطنية القوية، ويرتكز على منظمات وقوى شعبية تقاوم الاحتلال الإسرائيلي (حماس وحزب الله) ويمتلك الصواريخ وطابور الاستشهاديين، ولكنه لا يملك الأدوات الإعلامية الفاعلة والمؤثرة في أي حرب إعلامية مقبلة.
فقد كان لافتا أن محطة الجزيرة المدفعية الثقيلة التي عولت عليها الحكومة السورية طويلا وكثيرا لم تبث تهجمات السيد الشرع على السعودية مثلما كان متوقعا منها، وفضلت اتخاذ موقف أقرب إلى الحياد في هذا الصدد. وفي الوقت نفسه لا تتمتع الفضائية السورية بمصداقية كبيرة في أوساط الشارع العربي لأنها ما زالت تتبع أساليب الحرب الباردة الإعلامية، أو بالأحرى الشق السوفييتي منها، بينما تملك الجبهة الأخرى إمبراطورية إعلامية ضخمة متعددة الأذرع، ومهيمنة بالكامل على الساحة العربية.
التطور الأخطر الذي يمكن أن يكون بالغ التأثير، إذا ما لجأت إليه القيادة السورية، هو النزول إلى ميدان العنف، أو الإرهاب، لزعزعة استقرار خصومها. فليس هناك أبرع من المخابرات السورية في هذا الميدان، إذا ما قرروا اللجوء إلى خيار شمشون أي علي وعلى أعدائي. ويكفي التذكير بأن فتح الإسلام ورغم كونها ليست صنيعة المخابرات السورية، باعتراف العماد ميشال سليمان قائد الجيش اللبناني، وهو محق في ذلك لأن الأصوليين الإسلاميين، والسعوديين منهم خاصة، يعتبرون النظام السوري نظاما علمانيا ملحدا، فإن التسهيلات السورية هي التي أبقت هذه الجماعة على صغرها، تصمد لمدة ثلاثة أشهر في مواجهة جيش رسمي جرار وتلحق به خسائر كبرى في الأرواح والمعنويات.
سوريا حكمت المنطقة العربية بأسرها بـ»العنف الفلسطيني» طوال فترتي السبعينات والثمانينات، وتستطيع إعادة الكرّة مرة أخرى، فهناك الملايين من المحبطين من عمليات الإذلال والمهانة التي يتعرض لها العرب على أيدي الأمريكان وحلفائهم العرب، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو عما إذا كانت سوريا تملك الوقت للسير في هذا النهج مرة أخرى؟
الأيام المقبلة حافلة بالمفاجآت، وهي قطعا ليست سارة لأمريكا وإسرائيل، ومحور الاعتدال العربي، فنحن أمام صراع فيلة مقبل، ومرحلة اللاسلم واللاحرب، أو بالأحرى اللاحسم الحالية لن تطول في جميع الأحوال، ومفاجأة السيد نصر الله قد تكون واحدة منها فقط.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر